عمر فروخ
331
تاريخ الأدب العربي
بعدنا كالخريميّ والعتّابيّ والحسن بن هاني وأشباههم . كل من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه له وأثنينا به عليه ، ولم يضعه « 1 » عندنا تأخّر قائله أو فاعله ولا حداثة سنّه . كما أن الردىء إذا ورد علينا للمتقدّم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدّمه . . . . . ( و ) تدبّرت الشعر فوجدته أربعة أضرب : ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه . . . . وضرب منه حسن لفظه وحلا ، فإذا أنت فتّشته لم تجد هنالك فائدة في المعنى . . . . وضرب منه جاد معناه وقصّرت ألفاظه . . . . وضرب منه تأخّر معناه وتأخر لفظه . . . . . ومن الشعراء المتكلّف والمطبوع . فالمتكلّف هو الذي قوّم شعره بالثقاف ونقّحه بطول التفتيش وأعاد فيه النظر بعد النظر كزهير والحطيئة . . . . . . . . وليس كلّ الشعر يختار ويحفظ على جودة اللفظ والمعنى ، ولكنه قد يختار ويحفظ لأسباب : منها الإصابة في التشبيه ، . . . . وقد يحفظ ويختار على خفّة الرويّ ، . . . . وقد يختار ويحفظ لأن قائله لم يقل غيره ، أو لأن شعره ( شعر قائله ) قليل عزيز ، . . . . وقد يختار ويحفظ لأنه غريب في معناه ، . . . . وقد يختار ويحفظ أيضا لنبل قائله . . . . . . . . والمتكلّف من الشعر ، وإن كان جيّدا محكما ، فليس به خفاء على ذوي العلم لتبيّنهم فيه ما نزل بصاحبه من طول التفكّر وشدّة العناء ورشح الجبين وكثرة الضّرورات وحذف ما بالمعاني حاجة اليه وزيادة ما بالمعاني غنى عنه . . . . وتتبيّن التكلّف في الشعر أيضا بأن ترى البيت فيه مقرونا بغير جاره ومضموما إلى غير لفقه « 2 » . . . . والمطبوع من سمح بالشعر واقتدر على القوافي ، وأراك في صدر بيته عجزه وفي فاتحته قافيته ، وتبيّنت على شعره رونق الطبع ووشي الغريزة ؛ وإذا امتحن لم يتلعثم ولم يتزحّر « 3 » .
--> ( 1 ) وضعه : خفض منزلته . ( 2 ) اللفق ( بكسر اللام ) من الملاءة ( بضم الميم ) : أحد شقيها ( بكسر الشين ) ، كناية عن الشبه والملاءمة بينهما . ( 3 ) تزحر : أحدث صوتا فيه تنفس مثل الأنين ( مد صوته بالكلام حتى يدع لنفسه مجالا للتذكر ) .